تجربة الانترنت، والمحتوى الرقمي الثقافي في سورية: 2/2





تجربة الانترنت، والمحتوى الرقمي الثقافي في سورية: 2/2

نعود للاقتباس عن قاسم الشاغوري: نماذج من مشاريع سورية مميزة على الانترنت:

على الرغم مما قد تقدم من آلية لإدارة واستثمار شبكة الانترنت، إلا أن ذلك لم يمنع نشوء بعض المشاريع والمبادرات من مواقع انترنت سورية ناجحة تركت بصمات عديدة على الشبكة الدولية، فمع دخول شبكة الانترنت إلى سورية قامت عدد من الشركات الخاصة ببناء شبكات معرفية باختصاصات متنوعة مثل:
1. شبكة "سيريا نوبلز" على سبيل المثال، والتي قامت ببناء مجموعة من المواقع تتناول عدداً من الموضوعات الثقافية والمجتمعية بين عامي 2000 – 2011 مثل:
 "كتابي" وهو موقع تم تأسيسه للتعريف بأمهات الكتب وآخر إنتاجات دور النشر من الكتب.
 "شبابلك" وهو منتدى شبابي للحوار أسهم في بناء شبكة علاقات حوارية شبابية كبيرة ضمت شباباً ومن داخل سورية، ووصل عدد أعضائه في أواخر أيامه إلى 50 ألف عضو منهم حوالي 12 ألف عضو نشط، وتحول من مجرد منتدى الكتروني إلى ظاهرة مجتمعية قامت لعمل ملتقيات على أرض الواقع في دمشق وغيرها من المحافظات.
 دليل الفن التشكيلي السوري "سيريا آرت" وهو عبارة عن مجتمع متكامل للفنانين التشكيليين السوريين يحتوي على معارض رقمية لأبرز أعمال أولئك الفنانين مع صفحة مخصصة لتعريف لكل واحد منهم.
 "شبكة الكرة السورية" وهو موقع رياضي يحوي بوابات للأندية السورية ولأهم البطولات المحلية والعربية والعالمية، وكل ما يتعلق بكرة القدم خصوصاً، والرياضة السورية عموماً تاريخاً وحاضراً.
 شبكة الفيديو السورية الأولى "نوبلز تيوب" وهي شبكة مخصصة للفيديو أتاحت مساحة لنشر الأعمال السورية المصورة.
وغير ذلك عشرات المواقع الخدمية الأخرى التي عملت كمنصات دعمت إنشاء محتوى عربي سوري رقمي راقي على الشبكة العالمية، وقد توقفت كل مواقع شبكة سيريا نوبلز نتيجة الأزمة الحالية، ولا سيما بعد أن قامت العصابات الإرهابية المسلحة باختطاف مؤسس الشبكة الدكتور محمد نعيم الجابي واختفائه وعدم معرفة مصيره حتى تاريخ كتابة هذه السطور.

2. "شبكة المعرفة الريفية"، يعرّف الموقع مشروع "شبكة المعرفة الريفية - بوابة المجتمع المحلي" أنه أحد المخرجات الرئيسية لـ "البرنامج الاستراتيجي لاستخدام تقانات المعلومات والاتصالات في التنمية الاقتصادية والاجتماعية في سورية"، الموقّع بين وزارة الاتصالات والتقانة وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP في سورية، والذي وصل إلى نهايته في شهر تموز 2011.
تأسست البوابة وانطلق العمل فيها منذ العام 2004، وجرى فيها تفعيل مساهمة البلدات في تنمية مجتمعاتها المحلية في الجوانب الاجتماعية والاقتصادية، عن طريق:
 إنشاء مواقع للبلدات تؤكّد على وجود المحتوى المحلي، وتمثّل كياناً معترفاً به من الجهات المحلية الرسمية وغير الرسمية. بحيث تملك المواقع استقلالية تسمح لها بالتحرك بمرونة وفاعلية للإسهام في تحقيق أهداف تنمية المجتمع المحلي.
 تتألف بوابة المجتمع المحلي من الموقع الرئيسي للبوابة، إضافةً إلى مجموعة بوابات محلية وهي عبارة عن مجموعة مواقع وب خاصة ببعض المناطق الريفية في سورية يمكن النفاذ إليها إما عبر الموقع الرئيسي للبوابة أو بشكل مباشر عن طريق العنوان الخاص بكل منطقة، وقد بلغ عدد البوابات المحلية بنهاية شهر آذار لعام 2012 (97) بوابة.
 تقدم البوابة المحلية معلومات خاصة بالمنطقة من حيث التاريخ والجغرافيا والنشاط الاقتصادي للمنطقة وكذلك معلومات خدمية مثل هواتف الأطباء والمهندسين والمحامين والسلطات المحلية والإدارات العامة في المحافظة والمؤسسات الصحية في المحافظة وكذلك الصيدليات المناوبة وجريدة المنطقة التي تتضمن إعلانات مبوبة مختلفة ووصلات لأهم المواقع العربية: الإخبارية والتعليمية والحكومية. وكذلك معلومات عن بعض المعاملات الحكومية التي يحتاجها المواطن غالباً ومنتدى للنقاش خاص بقضايا المجتمع المحلي إضافة إلى التهاني والتعازي وأخبار البلدة اليومية.

3. المدونات السورية الشخصية على الانترنت: فكرة التدوين تقوم على أن يقوم كل إنسان بتحرير موقع خاص به يكتب به يومياته وأفكاره وقد نشطت المدونات بشكل كثيف ما بين عامي 2004 و 2012، وقد استطاعت عشرات المدونات السورية الحصول على جوائز عالمية في هذا المجال، وقدمت محتوى رقمي راقي يقوم بالتعريف بسورية وبالثقافة السورية، وقد أنتجت المدونات السورية مجتمعين الكترونيين هما "كوكب سورية" و"المدون" اللذان تجمعت بداخلهما معظم المدونات السورية والتي قامت بدورها بالتنسيق مع هذه المجتمعات بحملات كتابة محتوى متنوع على "ويكيبيديا" وأسبوع التعريف بالجولان العربي السوري المحتل وغيرها من الحملات. وقد توقفت مجتمعات التدوين أعلاه مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي بشكل كبير.

إن النماذج التي قمنا بعرضها أعلاه على سبيل الأمثلة هي مشاريع رائدة قدمتها مؤسسات قطاع عام أو خاص أو حتى أفراد، لكنها لم ترقَ إلى التخصص بصناعة المحتوى الرقمي المخصص لشبكة الانترنت، بل هو محاولة لنقل كل ما هو موجود ومنتج وتحويله إلى محتوى رقمي متاح على الشبكة فقط.

ومع التغير الكبير الذي طرأ على شبكة الانترنت خلال الأعوام الماضية، ونشوء منصات مخصصة لعرض المحتوى الرقمي لم يكن هناك بالإمكان نشوء شركات أو حتى أفراد مختصين في صناعة هذا المحتوى لعدة عوامل سنأتي عليها لاحقاً، وإذا ما دققنا بالمنصات التي تقوم بفتح أبوابها لاستقبال المحتوى الرقمي الإبداعي المخصص، لوجدنا مثلاً أن هناك عشرات المواقع المختصة بتقديم المعرفة، والتي تقوم على أساس أنها مشاريع تستهدف الربح من خلال نشر الإعلانات الأمر الذي لم ولن يكون متوفراً لصانعي المحتوى السوريين بسبب العقوبات الأمريكية على الشعب السوري والذي تطبقها الشركات التقنية المقدّمة لهذه الخدمات، والتي تمنعه من استثمار موارد الشبكة لأعمال تجارية في الإعلان، إضافة لصعوبة التعامل بالدفع الالكتروني لجني العوائد المادية، وهذا الأمر ذاته ينطبق على القنوات الإبداعية المتخصصة بنشر الفيديو والمرئيات على موقع "يوتيوب" إذ لا توجد حتى الآن قناة سورية متكاملة تقدم محتوى معرفي سوريّ قيّم على اليوتيوب، بمقابل عشرات الشركات التجارية والمبادرات الفردية التي تعمل على مشاريع مشابهة في بلاد المنطقة كالأردن ولبنان ومصر، وذلك لذات الأسباب المتعلقة بالعقوبات والدفع الالكتروني.
وإذا دققنا في تجارب دول الجوار كالأردن ولبنان ومصر، فنجد أنه قد تأسست شركات قائمة بحد ذاتها مهمتها إنتاج المحتوى الرقمي البصري أو الكتابي الإبداعي، إذ أضحت هذه الشركات تجني مداخيل كبيرة للغاية تستطيع أن تشكّل أرقاماً في النواتج القومية لتلك الدول، الأمر الذي لم يتم في سورية بسبب طبيعة استثمار شبكة الانترنت فيها من جهة، وللأسباب الموضحة أعلاه من جهة ثانية، ولعدم وجود حواضن الدعم الكافية لرواد الأعمال الذين قد يتخصصون في هذا النمط من الأعمال.

صناعة المحتوى الرقمي العربي السوري على الانترنت: التحديات والعوائق والحلول
صناعة المحتوى الرقمي الثقافي في سورية تواجه عدة تحديات وعوائق، منها ما هو معرفي، ومنها ما هو تقني، ومنها ما هو اقتصادي. فصناعة المحتوى الرقمي العربي على الانترنت تتطلب إنشاء بنى تحتية متكاملة تتضمن حواضن للمعلومات، والتأسيس لتشريعات تتناسب مع إنشاء شركات مختصة بصناعة المحتوى الرقمي على الانترنت، إضافة لتوفير تشريعات تتناسب مع عمل الأفراد المستقل في هذه المجالات.
إن من أبرز التحديات والعوائق عدم اعتماد خطط تلحظ أهمية بوابات الانترنت الخاصة بالمؤسسات الحكومية الكبرى، إذ لا زال الموقع الالكتروني بالنسبة للمؤسسات عبارة عن كمالية زائدة، في حين يمكن لكافة المؤسسات الحكومية إنتاج محتوى رقمي يتعلق بعملها، وعليه إن خطط التطوير المتعلقة بالبوابات الالكترونية، وبالتواصل الشبكي يجب أن تلحظ التطور الهائل بالتقنية، وبالتالي يجب أن تتضمن بنوداً واضحة تتعلق بالتطوير الدائم للبنى التحتية والتجهيزات وتدريب الكوادر البشرية وتأهيلها بشكل دائم وبما يتناسب مع التطور الحاصل، فخريج الإعلام والصحافة العامل في أحد البوابات الالكترونية لإحدى الوزارات، يجب أن يكون على إطلاع دائم بأساليب تحرير المحتوى وتطورها، وهذا لا يأتي إلا من خلال التدريب المستمر، الذي يجب أن ترصد له إمكانيات مادية كبيرة.

من العوائق أيضاً عدم وجود توجه واضح لصناعة المحتوى الرقمي العربي السوري على الانترنت، ولا سيما الثقافي منه، وهذا الأمر لا يمكن أن تنهض به جهة واحدة، بل يجب إيجاد صيغة تقوم بإطلاق مبادرات وطنية جامعة، تقوم بتجميع كافة أصحاب المصلحة من مؤسسات حكومية وخاصة ومنظمات مجتمع مدني وأفراد، مع لحظ تأمين تمويلات من جهات تؤمن بهذه المبادرات وأهميتها.
أيضاً لا بد من الاهتمام بتشجيع المستثمرين على تمويل مثل هذه المشاريع أو الاستثمار فيها، إضافة إلى نشر ثقافة ريادة الأعمال بين الخريجين الشباب في مجال صناعة المحتوى الرقمي العربي، فجامعات سورية تقوم بتخريج المئات من المهندسين التقنيين، ومن خريجي الآداب والإعلام والعلوم الإنسانية، والذين بدورهم من الممكن أن يكونوا نواة لتأسيس صناعة حقيقية تقوم بتصدير منتجات تقنية ومعرفية إلى البلاد الأخرى، مع مراعاة تقديم التسهيلات القانونية من قبل الحكومة لهذا الأمر، عبر إطلاق التشريعات والخطط الممنهجة لدعم هكذا صناعة ودعم الاستثمار في هذا المجال.

Kasem Al-Shaghouri
لأهمية هذا الموضوع فقد اقتطعنا جزءاً من دراسة للسيد قاسم الشاغوري حول "الثقافة والمحتوى الرقمي العربي على شبكة الانترنت" والتي قدّمها في المؤتمر الثقافي السوري الأول 2018، ونعرض لها في تدوينتين منفصلتين*

*الصورة لأكثر ما قضى عليه السوريون من وقت منذ فتح الشبكات وصالات الانترنت في سورية ربّما!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق