تجربة الانترنت، والمحتوى الرقمي الثقافي في سورية: 1/2
دخلت الإنترنت متأخرة إلى سورية، وحتى عام 1999 لم يكن يسمح للمواطنين السوريين بالاشتراك بالإنترنت، وفي عام 2001 بدء العمل على فتح باب الاشتراك بالإنترنت ولفئات محدودة كأعضاء الجمعية المعلوماتية وأعضاء النقابات ...الخ، لاحقاً وفي عام 2005 ومع افتتاح أول مزود خدمة انترنت خاص تم تسهيل حصول المواطنين على خطوط انترنت بشكل واسع، وبدءاً من عام 2009 بدا من السهولة بمكان على الأفراد الحصول على اشتراكات انترنت بسرعات عالية.
لم يكن دخول الانترنت إلى داخل المؤسسات والبيوت السورية ليمر دون سلطة رقابية تحكم رقابة الانترنت بشكل متين، فتأسست قواعد استثمار الانترنت في سورية على أساس آلية واضحة في حجب مواقع وخدمات برمتها على الشبكة.
تم تصميم مزود خدمة الإنترنت في مؤسسة الاتصالات باستخدام سياسة واضحة "حجب كل شيء والسماح ببعض الخدمات"، وطبق نفس التصميم على مزود خدمة الإنترنت في الجمعية العلمية السورية للمعلوماتية. وخلال الفترة ما بين 1999 و2005 كان مستخدمو الإنترنت السوريين محرومين من أغلب خدمات الإنترنت.
فمثلا، منذ بدايات الإنترنت تم حجب كل موقع يحوي في اسمه كلمة Mail وشمل ذلك أغلب الخدمات المشهورة التي تمكن من الوصول إلى البريد الالكتروني عبر المتصفح مثل Hotmail وYahoo! Mail وغيرها، إضافة إلى عدد كبير من المواقع تتحدث عن تقنيات البريد الالكتروني. ولم يفك الحجب عن هذه الخدمات إلا قبيل معرض شام عام 2003. وفي نفس الوقت تم حجب خدمات إرسال واستقبال البريد الالكتروني بشكل مباشر عبر مخدمات الإنترنت الموجودة خارج سورية. هذا الحجب جعل إرسال واستقبال البريد الالكتروني أمرا متعذرا في سورية، وأسهم في تأخير استخدام المجتمع السوري لأبسط تقنيات تبادل المعلومات عبر الإنترنت .
استمرت سياسة الحجب هذه قيد التطبيق حتى أواسط عام 2005، ففي هذا العام دخلت شبكة تراسل المعطيات التي أسستها مؤسسة الاتصالات مرحلة التشغيل العملي، ولم يتم تصميم هذه الشبكة تحت نفس القيود التي صممت على أساسها الشبكة السابقة للمؤسسة، ولذلك فقد تغيرت سياسة الحجب إلى "السماح بكل شيء وحجب بعض الخدمات". وطبقت نفس السياسة على مزودي الخدمة الخاصين المعتمدين على هذه الشبكة، وهكذا سمح في سورية بالوصول إلى أغلب خدمات الإنترنت لدي جميع مزودي الخدمة باستثناء مزود خدمة مؤسسة الاتصالات القديم.
نوعية المواقع المحجوبة:
لم يمكن تحديد نوعية أو آلية محددة لعملية الحجب، إنما كانت المواقع المحجوبة تضم عشرات من مواقع الانترنت الثقافية والإعلامية، والعديد من المدونات المعروفة، إضافة لحجب خدمات كاملة برمتها مثل خدمة "Blogger" للتدوين، تبعها حجب جزئي لمنصة "WordPress" المخصصة لإنشاء مدونات مجانية، كما تم في نهاية عام 2007 حجب عدد من المواقع السورية بشكل مؤقت نتيجة محتوى غير مرغوب فيه، وهي مواقع كبيرة وكانت تحصد العدد الأكبر من الزيارات في سورية .
حجبت لاحقاً معظم وسائل التواصل الاجتماعي الناشئة مثل فيسبوك، يوتيوب، تويتر، وموسوعة ويكيبيديا، في نهاية 2007 ولم يفك الحجب عنها حتى عام 2011 وبعضها تم فك حجبه خلال العامين الماضيين!
نتائج سياسية الحجب:
مما لا شك فيه بأن السياسة المتبعة في الحجب أدّت إلى تأخر المواطنين كثيراً في الوصول إلى صناعة وتطوير محتوى على المنصات العالمية، وأيضاً ساهم الحجب بعدم تطور بنية أعمال استثمارية حقيقية تجازف في الاستثمار في صناعة محتوى عربي رصين، لأن مصيرها لو حادت عن الخطوط المرسومة لها كان الحجب.
وعلى الرغم من أن المواطنين السوريين قد اعتادوا استخدام برمجيات وأدوات لتجاوز الحجب بشكل أو بآخر، إلا أن القصور الكبير للمحتوى السوري مثلاً على موسوعة ويكيبيديا، سببه الحجب، فعلى الرغم من مبادرات كثيرة لإثراء المحتوى العربي السوري على موسوعة ويكيبيديا المفتوحة، لكن الموسوعة ونتيجة حجبها لسنوات ظلت كياناً مجهول الاستخدام بالنسبة للسوريين، ومع العلم بأن هذه الموسوعة المفتوحة يستطيع أي فرد أن يقوم باستثمار صناعة المحتوى فيها، أو التعديل عليه مع الاستشهاد بالمصادر والأدبيات المطلوبة، وهذا ما يجعل المحتوى السوري على ويكيبيديا مشوه بأحيان كثيرة، لأنه محتوى كتب في الخارج وأحياناً من جهات معادية، دون أن تتاح الفرصة الحقيقية للسوريين في تصحيح المغلوطات، أو كتابة محتوى رصين.
بتتبع سياسة الحجب القائمة آنذاك، يتبين لنا بأن الحجب كان يحد المجتمع السوري إلى حد كبير من نشر المحتوى على الإنترنت، بدليل حجب خدمات المدونات وحتى عدد من المواقع التي تدار من سورية.
لأهمية هذا الموضوع فقد اقتطعنا جزءاً من دراسة للسيد قاسم الشاغوري حول "الثقافة والمحتوى الرقمي العربي على شبكة الانترنت" والتي قدّمها في المؤتمر الثقافي السوري الأول 2018، ونعرض لها في تدوينتين منفصلتين
Kasem Al-Shaghouri
#مرويات_سورية
يتبع..
دخلت الإنترنت متأخرة إلى سورية، وحتى عام 1999 لم يكن يسمح للمواطنين السوريين بالاشتراك بالإنترنت، وفي عام 2001 بدء العمل على فتح باب الاشتراك بالإنترنت ولفئات محدودة كأعضاء الجمعية المعلوماتية وأعضاء النقابات ...الخ، لاحقاً وفي عام 2005 ومع افتتاح أول مزود خدمة انترنت خاص تم تسهيل حصول المواطنين على خطوط انترنت بشكل واسع، وبدءاً من عام 2009 بدا من السهولة بمكان على الأفراد الحصول على اشتراكات انترنت بسرعات عالية.
لم يكن دخول الانترنت إلى داخل المؤسسات والبيوت السورية ليمر دون سلطة رقابية تحكم رقابة الانترنت بشكل متين، فتأسست قواعد استثمار الانترنت في سورية على أساس آلية واضحة في حجب مواقع وخدمات برمتها على الشبكة.
تم تصميم مزود خدمة الإنترنت في مؤسسة الاتصالات باستخدام سياسة واضحة "حجب كل شيء والسماح ببعض الخدمات"، وطبق نفس التصميم على مزود خدمة الإنترنت في الجمعية العلمية السورية للمعلوماتية. وخلال الفترة ما بين 1999 و2005 كان مستخدمو الإنترنت السوريين محرومين من أغلب خدمات الإنترنت.
فمثلا، منذ بدايات الإنترنت تم حجب كل موقع يحوي في اسمه كلمة Mail وشمل ذلك أغلب الخدمات المشهورة التي تمكن من الوصول إلى البريد الالكتروني عبر المتصفح مثل Hotmail وYahoo! Mail وغيرها، إضافة إلى عدد كبير من المواقع تتحدث عن تقنيات البريد الالكتروني. ولم يفك الحجب عن هذه الخدمات إلا قبيل معرض شام عام 2003. وفي نفس الوقت تم حجب خدمات إرسال واستقبال البريد الالكتروني بشكل مباشر عبر مخدمات الإنترنت الموجودة خارج سورية. هذا الحجب جعل إرسال واستقبال البريد الالكتروني أمرا متعذرا في سورية، وأسهم في تأخير استخدام المجتمع السوري لأبسط تقنيات تبادل المعلومات عبر الإنترنت .
استمرت سياسة الحجب هذه قيد التطبيق حتى أواسط عام 2005، ففي هذا العام دخلت شبكة تراسل المعطيات التي أسستها مؤسسة الاتصالات مرحلة التشغيل العملي، ولم يتم تصميم هذه الشبكة تحت نفس القيود التي صممت على أساسها الشبكة السابقة للمؤسسة، ولذلك فقد تغيرت سياسة الحجب إلى "السماح بكل شيء وحجب بعض الخدمات". وطبقت نفس السياسة على مزودي الخدمة الخاصين المعتمدين على هذه الشبكة، وهكذا سمح في سورية بالوصول إلى أغلب خدمات الإنترنت لدي جميع مزودي الخدمة باستثناء مزود خدمة مؤسسة الاتصالات القديم.
نوعية المواقع المحجوبة:
لم يمكن تحديد نوعية أو آلية محددة لعملية الحجب، إنما كانت المواقع المحجوبة تضم عشرات من مواقع الانترنت الثقافية والإعلامية، والعديد من المدونات المعروفة، إضافة لحجب خدمات كاملة برمتها مثل خدمة "Blogger" للتدوين، تبعها حجب جزئي لمنصة "WordPress" المخصصة لإنشاء مدونات مجانية، كما تم في نهاية عام 2007 حجب عدد من المواقع السورية بشكل مؤقت نتيجة محتوى غير مرغوب فيه، وهي مواقع كبيرة وكانت تحصد العدد الأكبر من الزيارات في سورية .
حجبت لاحقاً معظم وسائل التواصل الاجتماعي الناشئة مثل فيسبوك، يوتيوب، تويتر، وموسوعة ويكيبيديا، في نهاية 2007 ولم يفك الحجب عنها حتى عام 2011 وبعضها تم فك حجبه خلال العامين الماضيين!
نتائج سياسية الحجب:
مما لا شك فيه بأن السياسة المتبعة في الحجب أدّت إلى تأخر المواطنين كثيراً في الوصول إلى صناعة وتطوير محتوى على المنصات العالمية، وأيضاً ساهم الحجب بعدم تطور بنية أعمال استثمارية حقيقية تجازف في الاستثمار في صناعة محتوى عربي رصين، لأن مصيرها لو حادت عن الخطوط المرسومة لها كان الحجب.
وعلى الرغم من أن المواطنين السوريين قد اعتادوا استخدام برمجيات وأدوات لتجاوز الحجب بشكل أو بآخر، إلا أن القصور الكبير للمحتوى السوري مثلاً على موسوعة ويكيبيديا، سببه الحجب، فعلى الرغم من مبادرات كثيرة لإثراء المحتوى العربي السوري على موسوعة ويكيبيديا المفتوحة، لكن الموسوعة ونتيجة حجبها لسنوات ظلت كياناً مجهول الاستخدام بالنسبة للسوريين، ومع العلم بأن هذه الموسوعة المفتوحة يستطيع أي فرد أن يقوم باستثمار صناعة المحتوى فيها، أو التعديل عليه مع الاستشهاد بالمصادر والأدبيات المطلوبة، وهذا ما يجعل المحتوى السوري على ويكيبيديا مشوه بأحيان كثيرة، لأنه محتوى كتب في الخارج وأحياناً من جهات معادية، دون أن تتاح الفرصة الحقيقية للسوريين في تصحيح المغلوطات، أو كتابة محتوى رصين.
بتتبع سياسة الحجب القائمة آنذاك، يتبين لنا بأن الحجب كان يحد المجتمع السوري إلى حد كبير من نشر المحتوى على الإنترنت، بدليل حجب خدمات المدونات وحتى عدد من المواقع التي تدار من سورية.
لأهمية هذا الموضوع فقد اقتطعنا جزءاً من دراسة للسيد قاسم الشاغوري حول "الثقافة والمحتوى الرقمي العربي على شبكة الانترنت" والتي قدّمها في المؤتمر الثقافي السوري الأول 2018، ونعرض لها في تدوينتين منفصلتين
Kasem Al-Shaghouri
#مرويات_سورية
يتبع..

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق