حلب للصناعة ودمشق للتجارة ؟



كتب عمرو سالم :

يبدو أن المخطّطين الإقليميين الجدد قد اقتنعوا بمقولة البنك الدّولي بأنّ حلب هي للصناعة ودمشق للتّجارة والترفيه ...

وقاموا بناءً على ذلك بالتّخطيط لإقامة مولات ومناطق سكنيّة فخمةٍ ومناطق ترفيهيّة في القابون بدلاً من المصانع ...

ولم يكن ذلك بعد فترة طويلة من فتح باب الصّراع بين صناعيّي حلب ودمشق. تارةً بالسّماح باستيراد الأقمشة وإعادة منعها وطوراً بالتخبّط بين هذا وذاك ...

سوريّة بأسرها، لها ما يكفي من العراقة لكي لا يفكّر مخطّط أو مجموعة من المخططين بالبحث اليوم عن وظيفة جديدة لمدنها وقراها وباديتها ومياهها ...

فهي قد أخذت من البحث والتجربة والتحسين والتطوير آلافاً من السنين ...

دمشق وحلب ليستا متنافستين ولا (ضرّتين) بل هما من العراقة توأمتان وفي الصناعة والتّجارة متكاملتان عبر آلاف من السّنين ...

وانتشرت في كلٍ منهما صناعات وتجارات تناسب طبية جوارهما الجّغرافيّة والطبيعة الزراعيّة المحيطة بكلّ منهما ...

فحلب أقرب إلى حقول القطن، ممّا أدّى إلى نموّ وتطوّر صناعة الغزل والنّسيج فيهما ...

وبسبب محاصيل الفستق انتشرت صناعات حليويّات الفستق وغيرها ...

وفي دمشق ازدهرت واتطوّرت الكيمياء والطبّ وصناعات السيّوف والسّروج ومصانع النّسيج الّتي نافست العالم من الخماسيّة إلى غيرها وغيرها ...

ونشأت فيها صناعة الكونسرة الأفضل في العالم ... وكذلك الصّناعات الدوائيّة ...

ودمشق وحلب ليستا دبي ولن تكونا كذلك مع حبّي لدبيّ وإعجابي الشديد بإدارتها ...

لكنّ دبيّ كانت صحراء فبحث لها عن هويّة لا تعمّر وقابلة للتغيير كلّ عشر أو عشرين أو خمس وعشرين سنة بمبان مرتفعة ملوّنةٍ رائعةٍ لكنّ العين تملها لعد سنين قليلة. فتهدم ويبنى عيرها ...

أمّا دمشق وحلب حاضنتا التّاريخ، فأبنيتها الموجودة منذ بدأ التّأريخ، أبنية مهيبةً تزداد ألقاً وجمالاً وإبهاراً كلّما مضت السّنين بل هي أوابد ...

فهل يريد المخطّطون الجدد أن تكون أبنيتنا بوائد ...

من أراد أن يبني مدن ألعاب مائيّة وملاهي، فليبحث عن منطقة شاغرة في البادية التي تلي دمشق ...

أمّا مصانع القابون الّتي تصدّع بعضها وهدم بعضها وسرقت كلّها.ويهمّ صناعيّوها بإعادة ترميمها وتشغيلها، فلا يمكن أن يطلب منها الانتقال وتحميل اصحابها مبالغ جديدة حتّى وإن أعطوا أسهماً أو قروضاً ميسّرةً لشراء أراضٍ جديدة ...

فتكفيهم أعباء إعادة التشغيل. وعلينا أن نبني لهم البنية التحتيّة المحيطة بهم وتزويدهم بطرقٍ سليمة وكهرباء ومياه وصرف صحي واتصالات تليق بالصّناعة ...

وإذا كنّا نريد منهم الانتقال إلى مكانٍ آخر، فنزوّدهم بالأرض مجّاناً ونمنحهم قروضاً طويلةً ميسّرةً للبناء وإعادة التشغيل. إضافةً إلى تعويضهم عمّا صرفوه لإعادة التأهيل ...

وليكن بناء المصانع البديلة وتشغيلها سابقاً لإخلاء القديمة ...

أمّأ أن توقف الصّناعة من أجل مدن ألعابٍ مائيّة ومولاتٍ لن يزورها أحد، فهذا تغيير بلا معنى ولا طائل ...

وهو يشابه وصفات البنك الدّولي وصندوق النّقد الدّولي بالقضاء على زراعة القمح والقطن والتّحوّل إلى زراعة الكيوي لأنّه أجمل وأكثر (أكابريّةً ) ...

أوّل مقوّمات الاستثمار والاقتصاد النّاجح هو منطقيّة القوانين وثباتها وقوّة تطبيقها ووضوحها واستقرار التشريعات والقرارات إذ بدون ذلك لا يمكن لمستثمر أن يقدم على العمل ...

ويجب أن يعود القرار إلى المستويات العليا ولا يترك بأيدي صغار الموّظّفين أو عديمي النظر لأنّ ذلك يشلّ حركة الاقتصاد كلّها ...

ضعف الإدارة لا يقلّ خطراً عن الفساد. بل يجرّ كلّ منهما الآخر ...

ولا يمكن أن يخطّط لمنطقة إلّا خبيرً يعشقها ويعشق أهلها ...

عمرو سالم: تزول الدّنيا قبل أن تزول الشّام ...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق