عن ساحة السبع بحرات واحترام الفضاء العام، كتبت الأديبة ناديا خوست


 عن ساحة السبع بحرات واحترام الفضاء العام، كتبت الأديبة ناديا خوست:

تسجل الذاكرة العامة كل ما في فضاء المدينة: واجهات أبنيتها، نهرها، أشجارها، ساحاتها، أبنيتها التاريخية، حاراتها وشوارعها. لذلك تثبّت البلديات حتى مقاييس النوافذ والأبواب.
روى لي عبد السلام العجيلي، عن احترام الذاكرة العامة الذي كان شاهداً عليه: كان يجب إزاحة شجرة من مكانها في مدينة سويسرية، فنظّم لذلك استفتاء لأهل المدينة. بعد موافقتهم على المخطط المعلن، عملت الرافعات والخبراء على نقلها بضعة أمتار! ورويت له ما يشبه ذلك: أزاحت بلدية موسكو بناءً كبيراً بضعة أمتار، بعملٍ فنيٍ معقد انشغل به المهندسون والخبراء. لذلك يلاحظ من يتجول في أوروبا ما يريح النظر: التناسق المعماري. وقد جلاه توسيع المساحات للمشاة، ومنع السيارة من خرق حرمة الساحات التاريخية.
في القرن الماضي أمضيت شهراً في الأندلس. وفي سنة 2008 زرت غرناطة. فأتيحت لي المقارنة. لاحظت إضافة أشجار النارنج في المساحة الواسعة التي تتقدم قصر الحمراء. وبقاء شجيرات الصبار في مكانها. رأيت في المدينة القديمة أبواباً بسيطة عليها سقّاطات، وشجيرات ياسمين تعرش قرب أبواب، وأشجار نارنج قرب البيوت، وحارات كحارات دمشق.
لم أر "التجديد" الفظّ الذي نهواه! ولم ألمح "إعادة التأهيل" و"التجميل" التي تنسف الذاكرة العامة! لذلك بقيت غرناطة فاتنة. أما في قصر الحمراء فصادفت خبيراً في مريول أبيض كمريول الطبيب، واقفاً على سلّم، ينظف بفرشاة الأسنان باب قاعة السفراء!
أولئك المتحضرون المعاصرون ورثة العمارة التي شيدها الأمويون! وقد شكرتهم في كتابي "الهجرة من الجنة"، فلو بقي العرب هناك لما بقيت عمارتهم! مع أن حماية الذاكرة لنا ليست مسألة فنية أو وجدانية فقط، بل مسألة وطنية. وقد بيّنت الحرب أن الآثار السورية كانت مستهدفة لأنها عمق تاريخي، وكنوز ثمينة، وفضاء حضاري.
نفهم ما قصده مخطط ايكوشار بنسف مدينة دمشق ووضع مدينة حديثة بديلة عنها، عندما نتصفح اليوم في الإنترنت مدن يافا وعكا وصفد وحيفا وطبرية العربية. فنراها محمية، تنفذ فيها بدقة توصيات ايكوموس. وتوظف في صناعة سياحية، وتثبّت الاستيلاء على كنوز هوية ثمينة.
ذات يوم، كان الرجل يزرع شجرة كينا أو مسك قرب بابه، والنساء يشطفن الحارة. وكانت اللقاءات السياسية في فضاءاتٍ عربية. فمتى انفصلت السياسة عن العلاقة بالهوية المعمارية، وأصبح الوطن خريطة مجردة، ولم يعد أشجاراً وأنهاراً وبيوتاً وحارات يجب احترامها؟
يفترض أن تربي النخبة السياسية، احترام الفضاء العام، الملك العام. ويثبّت ذلك في النهج التربوي وقوانين البلديات. يعمق ذلك الشعورَ بأن حياة الفرد القصيرة العابرة مستمرة في حياة المدن الباقية الخالدة. وتؤكده اللوحات التي تسجل: جرى هذا الحدث في هذا المكان، هنا جلس الفنان فلان، هنا بيت الكاتب فلان، هنا بيت السياسي فلان. وتدعم ذلك نصب الشهداء وتماثيل رجال التاريخ. يتجاوز هذا الخلود الأنظمة السياسية. لأن الحكومات تتغير ويبقى الوطن والتاريخ العام. مثلاً، في مدينة ألمانية صغيرة لوحة سجلت على بيت أن نابوليون نزل فيه، مع أنه كان محتلاً. ذلك واقع من التاريخ.
وليس رأياً. نصب الانتداب الشيخ تاج، وكان مكروهاً. لكنه انصرف إلى تشييد عمارة عربية جميلة، منها وزارة الصحة. وكان يجب أن تبقى اللوحة التي سجلت أن البناء شيد في زمنه. لكن الحمق محا لوحة التسجيل، كما محاها من بناء المستشفى الوطني، الذي كان مستشفى الغرباء. بمثل ذلك التطاول على الذاكرة والفضاء العام، ألغي الترام. وأغلق نهر بردى في مركز المدينة، مع أن المدن تحتفي بالأنهار وتمنع حرمانها من الهواء والضوء.
في سياق التطاول على الذاكرة العامة، اقتلعت ساحة السبع بحرات. وهي ساحة مركزية جميلة، شيدت بطراز شرقي. ألفتها أجيال، وأصبحت من ذاكرة المدينة، مثل شارع بغداد وشارع 29 أيار. كان يفترض بدلاً من اقتلاعها، أن توضع لوحة تعرّف بها، وأن الرئيس شكري القوتلي، الذي دمر العدوان الفرنسي بيته في دمشق القديمة، قدّر أنها من ذاكرة المدينة فاستبقى بحراتها التي توحي بعلاقة دمشق بالماء.
اقتلعت هذه الساحة الجميلة غدراً ولفّت بأكفان، خلال عطلة طويلة. والعطلة مساحة لارتكاب الأفراد مخالفات، تمارسه أيضاً المؤسسات التي تفتقر إلى الشعبية. مثلاً، قرر أحد وزراء السياحة هدم خان الرز في عطلة طويلة. لكن رئيس تحرير جريدة تشرين الزميل عصام داري نشر ريبورتاجاً عن الخان، فأغلق باب الاعتداء على قلب السوق.
على كل حال، المسألة ليست فقط الاعتداء على الذاكرة العامة في هذا المقطع المركزي.
بل نهج محافظة دمشق في تدمير الفضاء العام، الذي لا يقدر ثمنه بأرقام. فقد أباحت اقتلاع السكك الحديدية وحفر حرم محطة الحجاز الخلفي. وإلغاء مقهى الحجاز. واقتلعت ساحة العباسيين الخضراء ووضعت مكانها كتل حديد وإسمنت قبيحة بشعة ربحت منها جماعة المشروع. ثم أزالتها بمشروع. وفرضت في ساحة يوسف العظمة، كتلة تمثالٍ منكّس السيف، بالرغم من معارضة الدكتور حيدر يازجي نقيب الفنانين.
لا تغطي هذا الاعتداء الاستفزازي في مدينة معتمة تعاني من الحصار، صيغة "تأهيل" ولا "تجميل"! أولاً، لأن الحاجات الحيوية هي الضرورة الأولى في زمن الحرب. وتجاهلها استخفاف فظ ومغرور بأوجاع الناس. ثانياً، لأن ساحة يوسف العظمة هي التي تحتاج تنفيذ قرار مجلس المحافظة في التسعينيات من القرن الماضي: نسخ تمثال يوسف العظمة الأصلي الرشيق المرفوع السيف، ووضعه في الساحة.
بقي توضيح لمن يستر بالوطنية مشاريع اقتلاع الذاكرة! هذه الذاكرة لا يشيدها جيل، بل أجيال. وهي ثمار المعماريين والفنانين والنحاتين والأحداث العامة والطبيعة. الساذج الغبي فقط من يتصور أننا يجب أن نقتلع آثار تدمر لأنها من طراز فترة حضارية وثنية. وأننا يجب أن نقتلع التكية السليمانية والمستشفى الوطني وجامعة دمشق والسنانية والدرويشية ومدرسة جودت الهاشمي وبناء السياحة القديم، وبناء وزارة الصحة...إلخ، لأنها متصلة بمقطع من التاريخ سبق الاستقلال.
لكن ما يقلقنا أن الأحزاب السياسية غابت عن مسألة ساحة السبع بحرات! لأنها لا تضع مسألة الهوية المعمارية وحماية الذاكرة العامة بين مبادئها. كأن الصراع على الهوية التاريخية ليس من تجليات الصراع على الثروات والأرض! لم يشعر السياسيون بجرح الرأي العام من الاستخفاف بذاكرة المدينة. وذلك يزيد بُعد الناس عنهم.
وبعدُ، توضع عادة على المشاريع أسماء من أبدعها، ومن رعاها. هذا من القوانين العامة المحفورة على الآجر في مشيدات مدينة بابل، ولا تزال الإنسانية تستخدمها في زمننا. نتساءل: اسم أي مبدع، واسم أي راع، سيسجلان على الساحة الجديدة، وسيحملان مسؤولية غدر المدينة في عطلة طويلة؟
ناديا خوست

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق