ورقة حول الدور التعليمي للمتاحف في سوريا نشرتها مؤسسة أتاسي للثقافة والفنون.
في هذه الورقة تشرّح الباحثة هبة قصّار المتخصصة في الدراسات المتحفية الدور التعليمي السائد في المتاحف الغربية، والمحتمل للمتاحف في سوريا و تشير إلى المعطيات التي تؤثر في تعزيز هذا الدور وإلى المحاولات القائمة للتوجه نحو علاقة ثقافية حيوية بين الجمهور والمتاحف.
وتخلص في الورقة إلى:
من خلال استعراض تاريخ وتطور الدور التعليمي للمتاحف في الغرب، بوسعنا الإشارة إلى عاملين مهمين، الأول هو أن الاستثمار الحكومي هو ما يعزز تبلور مثل هذا الدور، أما الثاني، والذي يُشكل نتيجة للعامل الأول، فيتمثل بأن مفهوم التعلم من خلال المتاحف يكتسب زخماً باعتباره جزءاً مهماً من المنهاج المدرسي الوطني.
ولا يمكن لأي من هذين العاملين أن يتواجد بمعزل عن الآخر، وهي نظرية مفادها أنه لا يمكن أن ينضج التعليم المبني عن المتاحف إلا بعد سنوات من الدعم والخبرة في هذا المجال. وحقيقة أن هذين العاملين متلازمين وجوهريين لاستمرار اضطلاع المتاحف بدورها كجهة تعليمية فاعلة معترف بها رسمياً في سوريا تطرح السؤال التالي: كيف يمكن تقديم الصلة بين التعليم والمتاحف لعامة السوريين والترويج لها، وكيف يمكن لنا تطوير الدور الذي يضطلع به الباحثون و/أو أخصائيو المتاحف في هذا الشأن في سوريا؟
للأسف، لم يكن هناك فعلياً أي اهتمام حكومي بالدور التعليمي الذي يمكن للمتاحف أن تلعبه في سوريا قبل القرن الحادي والعشرين، وهو ما ينطبق على العلاقة بين المدارس والمتاحف. وبينما كان هناك منهاج وطني موحد، طفت على السطح مسائل متعلقة بفهم الماضي القديم للبلاد، والافتقار إلى التنسيق بين وزارة التعليم والمديرية العامة للآثار والمتاحف بخصوص الزيارات المدرسية.
تم إطلاق مبادرات متعددة لتغيير العلاقة التي تربط بين عامة السوريين والمتاحف عموماً، وبين المدارس والمتاحف على وجه الخصوص، ويمكن النظر إلى تعديلات المنهاج المدرسي السوري الموحد باعتبارها واحدة من هذه المبادرات الهامة والشاملة، نظراً لكونها تعرّف كافة التلاميذ السوريين بالتاريخ القديم للبلاد. إلا أن هذا المنهاج، وبالشكل القائم حالياً، يواجه معضلة إرساء صلة مباشرة مع المتاحف الوطنية في سوريا.
فأولاً فيما يتعلق باللقى الأثرية السورية القديمة، تم الإشارة إلى مواقع عدد قليل منها فقط. وثانياً، حصل ذلك خلال الصراع في البلاد، أي عندما كانت معظم المتاحف في سوريا مغلقة، وبعضها لا يزال مغلقاً إلى الآن، وهو ما يعني أن التلاميذ غير قادرين على زيارتها. وأخيراً، وبالنظر إلى توزيع المتاحف على المناطق السورية، يبدو جلياً أن معظمها موجود في المحافظات أو المدن الكبيرة، بينما تفتقر البلدات الأصغر والقرى والمناطق النائية في الريف إلى مثل هذه المؤسسات، وهو ما يطرح سؤالاً عن الآلية التي يمكن من خلالها للمتاحف أن تضطلع بدور تعليمي في حال كانت غير موجودة أصلاً.
يمكن الإجابة على هذا التساؤل بالإشارة إلى أن بوسع الأطفال زيارة المواقع الأثرية أو التاريخية القريبة، بما أنه يمكن اعتبار سوريا بحد ذاتها متحفاً مفتوحاً، إلا أن العائق أمام هذه النظرية هو العلاقة السائدة بين المواقع واللقى الأثرية من جهة والشعب السوري من جهة أخرى (يمكن الإطلاع على المزيد من المعلومات في مقالة الكاتبة من عام 2021) والافتقار إلى الموارد المالية لدى أولئك المقيمين في الريف.
من المهم كذلك التأكيد على الافتقار إلى التوثيق والدراسات والأبحاث الأكاديمية بخصوص دور المتاحف في العملية التعليمية، فرغم المبادرات العديدة التي تم إطلاقها في سوريا بهذا الشأن، إلا أنه لم تصدر عن أولئك المسؤولين عن هذه المشاريع أي منشورات أو كتابات، ولم يتم توجيه مثل هذا التغيير الهام نحو إرساء علاقة بين التراث السوري والسكان المحليين.
ولذلك، فإن جلّ الأبحاث المذكورة هنا هي ثمرة اجتماعات ومقابلات مباشرة، وهو ما يفرض محدودية لناحية فهم التحديات التي تواجه مثل هذه المبادرات وتقييم مدى نجاعتها، كما يعوّق إمكانية القيام بدراسة نقدية لنظرية التعليم في المتاحف بالنسبة للعامة في سوريا. ومع ذلك، فإن حصيلة مبادرات التواصل المجتمعي الأخيرة في دمشق ومدن أخرى تمثل مؤشراً قوياً على أن الشباب السوري مستعد لإرساء أواصر علاقة طيبة مع المتاحف، وتبنّي مقاربة جديدة تقوم على التواصل مع الماضي القديم وتكوين شعور بالانتماء للمجموعات واللقى الوطنية التي تزخر بها المتاحف السورية.
*بالإمكان قراءة الورقة كاملة من خلال الرابط

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق