الأفكار لا الأشخاص
إنّ أسوأ مايعاني منهُ السوريون اليوم - باعتقادي- هو فكرة التبعيّة التي تسيطر على عقولنا، والتبعية التي أتحدّثُ عنها ليست تلك التي مُلئنا بها في كتب "التربية القومية الاشتراكية" للاستعمار والغرب الرأسمالي بل أتحدّث عن التبعية إلى / بين بعضنا.
غاب وغيّب في العقود الأخيرة قادة الرأي أو لنقل أشخاصاً يمتلكون حدوداً من المعرفة والثقافة المختلفة تمكّنهم من التأثير / التوجيه في الآخرين وكان غيابُهم وتغييبهم لأسباب سياسية بالدرجة الأولى نظراً لطبيعة شكل الحكم وأسباب ثقافية بالدرجة الثانية بعد الانهزامات التي مُنيت بها شعوب الشرق في العقود الماضية ماجعل الأصوات أخفض وبحاجة لتفكير أكثر ومغامرة غير محسوبة عند الخوض في مسائل الشأن العام.
مع تراكم الاحباطات والفرص منذ 2011 أتاحت وسائل التواصل الاجتماعي ساحات لعب / تنوير / توجيه / تسييس شغلها أشخاص محسوبون على تيارات سياسيّة او تيارات دينية أو عينات طبقيّة اقتصادية ومناطقيّة، والغير محسوب تم احتسابه بالوعي الجمعي الافتراضي، ولاحقهم الناس من تغريدة لأخرى ومن تعليق إلى اضافة ورسائل وبات لكلّ من هؤلاء الأشخاص مجموعة محيطة من الأشخاص الوهميين في معظمهم.
القول هنا أنّ الأشخاص وهميين لا يخص أنّهم لايضعون صورهم أو اسمائهم الحقيقية، لا الحديث عن أشخاص يضعون صورهم وأسمائهم الكاملة ويشاركون تفاصيل حياتهم ولكنهم غير حقيقيين فيما يعبرون عنه، تجدهم على فيسبوك محنكين ويوزعون الأخلاق والتفهم ويهتمّون بالشفافية ومكافحة الفساد وهم على أرض الواقع يمارسون كلّ ما ينتقدوه، هذا ليس أمراً يخصّ طائفة من الناس أو مجموعة محددة، بل أراه يخصّ السوريين أو لنقل أجزاء كبيرة من السوريين.
والحقيقة أنّ لهذا الموضوع أسباب كثيرة منطقيّة فطبيعة المجتمع وأوّلياته وأولوياته في الشرق وماحدث من تثاقف معرفي مع العالم جعلنا منفصمين لانحنُ قادرون على اثبات هويّة واضحة متفق عليها ولانحنُ قادرون على اكتساب أخرى جديدة.
رغم أنّ هذا أصبح مثيراً وهجيناً في زمنٍ بدأ العالم يتخلّص فيه من تبعيّة الأشخاص مهما كانوا ومن كانوا نتيجة توافر المعرفة وسهولة الوصول لها وكل هذه الفرص، وصار الناسُ يلاحقون الأفكار، يعتقدون بها وينتقدوها ويجربوها ويتراجعوا عنها.
إن زمن الايديولوجيات يتراجع لصالح الأفكار العمليّة والمصالح لكننا في مجتمعاتنا بعد أن أوجدنا / مازلنا نحاول أشخاصاً يتحدثون ببعض ما نفكرُ به سقطنا في حفرة التبعيّة من جديد للشخص لا الفكرة، فتجد أشخاصاً لديهم ثقة عمياء بآخرين على طريقة الأتباع وكأنّ كل هذه المعرفة المتوافرة والممكنة لم تغيّر شيئ في مسار التفاعل الاجتماعي والسياسي والثقافي في الشرق.
المطلوب اليوم - كما أرى - أن نكون أكثر جاهزيّة للقراءة والمتابعة وابداء الرأي والابتعاد عن القوالب الجاهزة وعدم انتظارها، علينا انتاجُ شخصيّاتنا بمعزل عن الأنماط المعتادة وعلينا بناءُ تصوراتنا بالاستفادة من الجميع وليس التطلعُ إلى شخص أو حساب أو صفحة لتمثلنا أو تفكّر عننا.
لدينا جميعاً قدرة على التفكير ومعظمنا تعلّم القراءة وصار البحث ممكناً والفهم مسألة قرار ومتابعة ويمكننا الرجوع للمختصين ليس ليشكّلوا رأينا بل ليساعدوننا على انتاج آرائنا وتطلعاتنا
وسيم السخلة
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق